اسد حيدر
35
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
والذكر هو القرآن بدلالة قوله تعالى : وأَنْزَلْنا إِلَيْك الذِّكْرَ وقوله تعالى : إِنَّا نَحْن نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَه لَحافِظُون . وقد روي عن الإمام الصادق عليه السّلام قوله : « القرآن محدث غير مخلوق وغير أزلي مع اللّه سبحانه » . كما ورد عن غيره من أئمة الهدى النهي عن جعل اسم آخر للقرآن غير ما ورد عن اللّه . لقد وصف الشيعة القرآن بما وصفه اللّه تعالى ، فقالوا عربي لقوله تعالى : بِلِسان عَرَبِيٍّ مُبِين والعربية محدثة . ومنعوا وصفه بأنه مخلوق ، لأنه يوهم بأنه مكذوب أو مضاف إلى غير قائله ، لأنه كالمعتاد من هذه اللفظة ، قال اللّه تعالى : إِن هذا إِلَّا اخْتِلاق و : إِن هذا إِلَّا خُلُق الْأَوَّلِين . وقال تعالى : وتَخْلُقُون إِفْكاً فنرى أن وصف الكلام بالخلق يأتي إذا أريد به الكذب أو الانتحال ، كما يقولون هذه قصيدة مخلوقة ومختلقة ، إذا كانت منتحلة مضافة إلى غير قائلها « 1 » . أما الأشعرية فيقولون إن الصفات التي أنيطت بها الأقوال وابتنيت عليها المسألة هي صفات معنوية ، وهي صفات زائدة على ذاته ، وبيان وجوب المشكلة يقتضي التفصيل ، ونحن نقصد هنا الإشارة وذكر إحدى القضايا التي نجم عنها أضرار وفرقة استمرت قرونا عديدة بآثارها ، وتوارثها حتى اليوم خلق عن أسلاف أورثوهم التعصب ، وراحوا يستهزءون بما من اللّه عليهم من عقل وإدراك ، ويؤثرون الجمود والتوقف عن النمو . والقصد فإن المأمون أظهر من ألوان الاعتماد على المعتزلة وتقريبهم ، ما جعلهم أعلى الناس مكانة وأوفرهم حظا ، وخضعت مجالس المناظرات والنقاش لأهواء الحاكم ، فكان مدارها المواضيع التي يرغب بها المأمون . ولا جدال في تبني المأمون لفكر المعتزلة ، لكن نزعات الحاكم أو السلطان قد تغلبت على شخصية التلميذ أو ميول المتعلم ، بل جعلها مادة للسياسة . والمؤسف المؤلم أن توضع عناصر الغنى الفكري ومناهج البحث في خدمة أغراض السلطان ، وتصبح من أسباب التدهور ، ومن وسائل الحاكمين والمتنفذين ، فتؤدي إلى نتائج وعواقب لا تليق بالفكر الحر والعقل النير . ومع ما اتصف به المأمون من إلمام ودراية ، فإن كتابه السلطاني الذي أصدره سنة 218 ه كان في حقيقة أمره
--> ( 1 ) أيضا نفس المصدر .